تقارير

من الظل إلى صناعة القرار.. الجهاديون الأجانب في سوريا

محمد محمود  بشار

حمل الثامن من ديسمبر الكثير من التغييرات الكبيرة، كان العنوان الأبرز هو رحيل الأسد، إلا أن التغيير الذي يوازي انتهاء حكم الأسد أو يفوقه في الأهمية في عهد الحكام الجدد، هو فتح الطريق أمام الجهاديين الأجانب الذين كانوا متحصنين في إدلب وما حولها، فباتت المناطق التي كانت خاضعة فيما مضى لنفوذ نظام الأسد، تشكل ساحة جديدة لنشاط هذه المجموعات التي تنشط تحت أسماء متعددة وداخل تنظيمات مختلفة.

نزع المسؤولون السوريون في صفوف الجهاديين ألقابهم الجهادية وباتوا يتحركون بأسمائهم الحقيقية مع ارتداء بدلة وربطة عنق وتخفيف للذقن الطويلة.

أما الجهاديون الأجانب فبقوا كما هم، بأسمائهم الجهادية وأزيائهم المرتبطة بثقافة جبال تورا بورا، تم ترقية البعض منهم في سلم الرتب العسكرية وتسليمهم مناصب ومسؤوليات عسكرية وأمنية حساسة بشكل علني، والبعض الآخر مازال يتحرك من دون أي رتبة، ولكن من دون أي قيود استناداً إلى الفكرة القائلة : “من يحرر يقرر”.

واليوم لا سلطة فوق سلطة الجهاديين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكام الجدد.

      الساحل السوري والانتقامات المؤجلة

تبخّر كل ما تحدّث به أحمد الشرع عن ضرورة الاحتكام إلى عقلية الدولة وترك العقليات الأخرى لقيادة سوريا بعد الأسد، وذلك في بدايات شهر آذار\مارس المنصرم في الساحل السوري.

حيث تم تناسي تلك المقولة وبدأت الدعوات إلى “الجهاد” عبر مآذن المساجد وبقية المنابر من قبل من يحكم سوريا اليوم، فتوجهت قوافل من المسلحين من مختلف المناطق ذات الأغلبية السنية باتجاه المناطق ذات الأغلبية العلوية في الساحل السوري، وبدأت عمليات القتل على الهوية استناداً إلى الأحقاد الدفينة وتطبيقاُ لفتاوي تعود إلى مئات السنين التي خلت، حيث وجد السوريون في الساحل بأن من يحكم بلادهم هو “ابن تيمية” من خلال فتاويه بضرورة قتل العلوية لأنهم علوية حيث تم تكفيرهم والإقرار باستباحة دمائهم وأموالهم.

وتم تمرير عمليات القتل من باب أنها حرب الإدارة السورية الجديدة على من يتم وصفهم بـ “فلول النظام”، إلا أن الصور والفيديوهات التي صورها القتلة بأنفسهم، أظهرت بوضوح تام بأن تلك العمليات تمت بشكل منظم ومستند إلى الفتوى المذكورة.

كانت لمجموعات الجهاديين الأجانب حضور في الإشراف والتنفيذ في هذه المناطق السورية، ويبدو أن هؤلاء يشكلون رأس الحربة في هذه العمليات الانتقامية مع المختلفين معهم مذهبياً ودينياً وعقائدياً.

فمع كل طلقة تم إطلاقها، لم يتم قتل مواطن سوري فقط، بل تم قتل الثقة التي كانت ينبغي أن يتم العمل من أجل بنائها في هذه البلاد التي أصبحت الثقة فيها كمعدن نادر يصعب الحصول عليه نتيجة للحرب والصراعات الايديولوجية والدعاية الإعلامية.

الجهادي القادم من خلف الحدود، لا يهمه عملية بناء الثقة بين السوريين، فهو قادم ليسلك الطريق إلى لقاء الحوريات عبر السباحة في بحر الدماء السورية، ولا يهمه إن تم قتل كل من لا ينتمي إلى جماعته.

فالجهادي لا ينتمي إلى الأوطان، وهو غريب عن الزمان والمكان.

      أرض الشام مغناطيس الجهاديين

باتت سوريا اليوم مغرية أكثر من اي وقت مضى لجذب الجهاديين من مختلف بقاع العالم، ويبدو أن الحكام الجدد ليست لديهم اي مشكلة في استقبال هؤلاء مهما كانت سلوكياتهم وتصرفاتهم وحشية وغير مقبولة من قبل الشعب السوري.

فالرئيس السوري الجديد يرى بأن هؤلاء هم القوة الأكثر فتكاً التي يمتلكها في مواجهة أعدائه الداخليين لتوطيد حكمه وحكم جماعته، وربما سيشكّلون في الفترة القادمة أوراقاً تفاوضية مع دول الجوار السوري وبقية الدول.

والرسائل التي تم إرسالها من دمشق بعد الثامن من ديسمبر إلى كافة الجهاديين في كافة أنحاء العالم، تقول بأن الشام أصبحت إمارتهم الجديدة وهم فيها يحكمون ويأمرون ويفعلون ما يريدون من دون حسيب أو رقيب.

ففي حقبة حكم الجولاني، لا صوت يعلو على صوت الولاء للجماعة وأمير الجماعة، وليس هناك افضل من الجهاديين الأجانب في إظهار السمع والطاعة للأمير.

سوريا اليوم في طريقها لتصبح قاعدة لجذب المجموعات التكفيرية، التي ستفرّ من حكومات بلادها لتتوجه إلى ملاذها الآمن تحت عباءة الشرع التي تتسع لكل شخص يحمل الأفكار الجهادية.

      سوريا بلد الألف حرب وحرب

المعادلة السورية تستند إلى التفاصيل الكامنة خلف العناوين الكبيرة، ومن يتقن لعبة التفاصيل يصل إلى المرحلة النهائية، فإما يكون آخر من يتبقى أو يشكل تهديداً على من تبقى.

في هذه البلاد الحرب لا تنتهي، تتغير هوية ومواقع المنخرطين فيها، وتتبدل خطوط التماس وتبقى نيرانها مشتعلة.

وما حصل مع بشار الأسد قد يحصل مع أحمد الشرع مع وجود فارق زمني في المقارنة بين فترة حكم هذا وذاك.

زر الذهاب إلى الأعلى