آراء وتحليلات

“دولة الكبـتاغون” والحدود المفتوحة

محمد محمود بشار

بات المشهد اليومي في سوريا مليئاً بعمليات ضبط شحنات الكبتاغون ومستودعات الأسلحة.

 مع كل عملية أمنية يتم دق ناقوس الخطر، من الانتشار الواسع لتصنيع حبوب الكبتاغون والإتجار بها. فما يتم ضبطه قد لا يشكّل رقما كبيراً في النسبة المئوية مقارنة مع ما يتم تمريره بنجاح، فمازالت دول الجوار ودول أخرى تقوم بالإعلان عن إيقاف شحنة هنا وشحنة هناك تحمل مواد مختلفة، هذه المواد التي تشكل العباءة التي يتم إخفاء هذه الحبوب المدمّرة بداخلها.

كما إن السلاح الذي يمكن تسميته بـ “المنفلت” مازال منتشراً بكثافة في كافة المناطق السورية، فإن اختلفت عائلتان يكون الرصاص هو سيد الموقف، وإن تم الإعلان عن نجاح طالب أو تخرّج طالبة من الجامعة أو مع أي حفلة زواج، تنهال الطلقات من أسلحة غير مصنفة تحت اسم أي قوة عسكرية.

أغلب المدنيون في سوريا باتوا يحملون السلاح، وبالتالي أصبح كل منزل بمثابة امبراطورية خاصة بأهله من ناحية “الترسانة العسكرية” وخاصة مع انعدام المساءلة عن مصدر ظهور طبقة من الأغنياء فجأة، هذه الطبقة التي خرجت من تحت خط الفقر لتتكلم بمئات الآلاف من الدولارات في سنوات الحرب ومازال “الحبل على الجرار”.

      دمشق من دون سلطة قبل وبعد 8 ديسمبر

فقدت دمشق سلطتها المركزية مع اتساع رقعة الصراع في السنوات الأربعة عشر الماضية، أثناء حكم بشار الأسد خرجت الكثير من المناطق من تحت سيطرة العاصمة السورية.

فبات لكل منطقة من مناطق النفوذ، قوتها العسكرية وإدارتها الخاصة وأصبحت الحدود بين هذه المناطق داخل البلاد أكثر تحصيناً من حدود سوريا الخارجية، حيث كان بإمكان السوري الخروج بسهولة من سوريا إلى خارج البلاد، ولكن كان من الصعب عليه التنقل داخل هذا البلد التي أرهقت الحدود الداخلية كاهله أكثر من أي حدود أخرى.

حتى إن دمشق فقدت قدرتها في السيطرة على المناطق الخاضعة لنفوذها، وذلك بسبب كثرة الأطراف والميليشيات السورية والأجنبية القادمة لمساندة نظام الأسد في حربه على الأطراف المناهضة له، فكان لكل ميليشيا دولتها الخاصة ضمن مناطق النظام السوري السابق.

واليوم أيضاً تفتقد عاصمة الياسمين إلى الياسمين الدمشقي، وذلك تحت تأثير الموجات القادمة إليها من بقية المناطق، فباتت الشام ساحة مفتوحة للإيديولوجيات العابرة للمكان والزمان، وأصبح “الجهاديون” الهاربون من دولهم، سادة وأصحاب كلمة وشركاء في عملية صنع القرار في سوريا القابعة تحت لعنة الحرب.

وبعض الأصوات التي ترتفع اليوم في دمشق الصادرة من سكانها الأصليين، لا تأتي من فراغ، وربما هي بداية التمرد الدمشقي في وجه احتكار الجهاديين القادمين من شتى أصقاع الأرض لبوصلة الحياة في هذه المدينة العريقة الضاربة جذورها في أعماق التاريخ.

      دولة من دون حدود خارجية

الحدود الشرقية باتت مغلقة بالكامل، حيث يرى حكام بغداد بأن حكام دمشق الجدد يشكلون تهديداً حقيقياً على أمن العراق، ومازال الرئيس السوري الحالي في قائمة المطلوبين للقضاء العراقي بتهمة القتل والإرهاب.

الحدود مع الأردن باتت تشبه الثكنة العسكرية بعد التحصينات الأردنية والمراقبة العسكرية المتواصلة، حيث كانت عمان تخشى بشكل مستمر من دخول شحنات الكبتاغون، أما الآن فقد تضاعفت المخاوف الأردنية، فما عدا الحبوب المخدرة، بات خطر تصدير الجهاديين إلى داخل العمق الأردني يشكل خطراً إضافياً في حسابات الأجهزة الأمنية الأردنية.

أما الوضع مع لبنان فهو أكثر عنفاً، حيث شهدت الحدود المشتركة بين البلدين اشتباكات بالأسلحة الثقيلة والصواريخ في الأيام الماضية، ومن المحتمل أن يتم فتح الجبهة في الأيام القادمة لأن الصراع على هذه الحدود هو صراع بين عدوين تاريخيين، حيث يحمل السلاح في طرفي الحدود قوات عسكرية تنشط تحت تأثير الفكر الإسلامي المتطرف سواء من جماعات الشيعة في لبنان وعلى رأسها حزب الله أو من جماعات السنة في سوريا وعلى رأسها هيئة تحرير الشام التي أصبحت الحزب الحاكم في سوريا.

ويبدو أن إيقاف الجبهة على الحدود اللبنانية، لم يكن حلاً جذرياً، بل هو تأجيل لصراع يمكن أن ينفجر في أي لحظة، وخاصة مع إبقاء منطقة عازلة بين الطرفين وهذا الحل يشبه حل “منطقة خفض التصعيد” السابقة بين قوات الرئيس السابق وقوات الرئيس الحالي، الذي كان حينها أميراً على الهيئة في إدلب ومحيطها.

أمام الحدود الجنوبية مع إسرائيل فباتت مفتوحة بشكل كامل أمام التحركات العسكرية الإسرائيلية، فطيلة حكم الأسد وخاصة في سنوات الحرب، لم تتوغل إسرائيل في الأراضي السورية شبراُ واحداُ، كانت تقصف من الجو أهدافاً محددة، أغلبها كان يعود للحرس الثوري الإيراني.

أما بعد 8 ديسمبر بات المشهد مختلفاً تماماً، فبات الجيش الإسرائيلي منخرطاً في الصراع بشكل مباشر داخل الأراضي السورية.

والحدود الأكثر تعقيداً والتي جلبت البلاء للسوريين، هي الحدود الشمالية مع الجارة تركيا، هذه الدولة التي تسعى تحت حكم حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى إحياء حلم الخلافة والسلطنة العثمانية.

نصف هذه الحدود تقريبا يقع خارج سيطرة الجماعات الموالية لأنقرة، أما نصفها الأخر فهو مفتوح إلى درجة يمكن القول عنها بأنه لم يعد هناك حدود دولية فاصلة بين سوريا وتركيا، فالجيش التركي هو الآمر الناهي في العديد من المناطق السورية التي بات يديرها الولاة الأتراك بشكل مباشر، وبات العلم التركي مرفوعاً على كل الدوائر الرسمية وغير الرسمية، واختفت العملة السورية من التداول في أسواق هذه المناطق لتأخذ الليرة التركية مكانها.

 حتى إن مجموعة من المقاتلين القادمين إدلب والذين دخلوا دمشق بعد الثامن من ديسمبر، كانوا لا يعرفون قيمة العملة السورية مقابل العملة التركية أثناء تسوّقهم في أسواق العاصمة، فكانت جيوبهم خالية من الليرة السورية تماماً.

تقول العرب من ضمن ما قالت من حكم وأمثال: (المستجير بعمرٍو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار).

وهذا المثل جاء بعد حادثة طعن جساس لكليب بن ربيعة، هذا الأخير الذي استنجد بعمرو بعد أن طعنه جساس وتركه مثخناً بجراحه في العراء، ولكن عمرو هذا أجهز على كليب بدلاً من أن يجيره في كربته.

ودمشق اليوم بعد كل هذه الويلات تستجير بأنقرة.

زر الذهاب إلى الأعلى