رسائل النوروز وحقيقة الشعب الكردي في سوريا

محمد محمود بشار
بعد عقود من الزمن وصلت الرسالة.
لأول مرة في تاريخ سوريا منذ تأسيسها كدولة على الطراز الحديث، يتم إيقاد نيران النوروز من قبل غير الكرد في سوريا.
في أقصى الجنوب السوري، تم إشعال نيران النوروز في وسط مدينة السويداء في ساحة الكرامة من قبل أحفاد سلطان باشا الأطرش، وفي نفس الوقت كانت نيران النوروز تضيء مدينة ديرك في أقصى الشمال الشرقي في هذه البلاد.
في هذا النوروز نهض الساحل من بين ركام غزوة استهدفت الوجود العلوي، فقام أبناء وبنات الساحل بالتجمع حول النار التي أشعلوها احتفالاً بالنوروز.
كما كان للعاصمة السورية دمشق نصيب من هذه النيران، التي تنير الليالي المظلمة.
– عقود من المواجهة بين نيران النوروز ونيران الدكتاتورية
حاول الكرد بشتى السبل السلمية والحضارية وعلى مدى عقود من الزمن، أن يقوموا بإيصال رسائل النوروز إلى الشركاء في الوطن السوري، إلا أن كل تلك الجهود وكل تلك الرسائل كانت تصطدم بحاجز الدكتاتورية والدعاية القائمة على أساس تصوير الكردي على أنه العدو الداخلي.
وباعتبار أن حزب البعث، كان هو الحزب الحاكم وكان يحتكر كل المؤسسات الإعلامية ويحكم بقبضة حديدية من خلال المؤسسات العسكرية والأمنية، وبنفس الوقت كانت عملية توظيف أي شخص في أي مؤسسة من مؤسسات الدولة تحتاج إلى موافقة الفرق والأفرع الحزبية، فقد تمكن البعث من خنق كل الأصوات التي كانت تغرد خارج سرب الحزب الحاكم.
في كل ليلة نوروز ومع إيقاد شعلة هذا العيد، الذي يحمل الكثير من معاني ورسائل المحبة والتعايش المشترك، كان يتم إخماد تلك النيران من قبل جلاوزة النظام، واعتقال المئات من أبناء الشعب الكردي بتهمة إيقاد شعلة النوروز.
كان الكردي يشعل هذه النيران، ليقول لشركائه في الوطن، أنا سليل تاريخ وحضارة عريقة ونحن نعيش اليوم في وطن واحد، وسيكون هذا الوطن أجمل عندما نكون معاً وهكذا تكتمل اللوحة السورية عندما يتمكن كل مكوّن من المكوّنات السورية أن يحافظ على خصوصيته ويشارك في عملية صنع القرار السياسي وبناء مستقبل البلد انطلاقاً من فكرة أن التنوع القومي والديني والمذهبي هو قوة لهذا الوطن.
إلا أن النظام الحاكم كان يردّ على نيران النوروز بنيران الاعتقال تارة ونيران القتل تارة أخرى، فذاكرة الكردي مليئة بالأحداث الدموية التي يقف خلفها سياسات الإقصاء والتهميش للمختلف مع عقلية اللون الواحد التي احتكر أصحابها الحكم لعقود من الزمن.
سقطت الدكتاتورية، بات الأسد ليس فقط خارج العملية السياسية السورية، بل بات خارج الجغرافية السورية، وبقيت نيران النوروز لتمتد من أقصى الشمال الشرقي إلى أقصى الجنوب واقصى الشمال الغربي من هذا الوطن الذي أرهقته الدعاية المضللة واثقلت كاهله إيديولوجيات الحكام القائمة على إنكار المختلف مع توجهات الرئيس.
مع سقوط الدكتاتورية، نهض السوريون من بين ركام الدمار النفسي والمعرفي الذي تركه حاكم قصر الشعب، وعلى ما يبدو فأن السوري يمتلك ما يكفي من القوة والإرادة ليتجاوز حزنه وألمه ويختصر الطرق والزمن لمعرفة شريكه في الوطن عن قرب.
– ألوان نوروز المتعددة
لم ينجح حزب البعث في ترسيخ فكرة اللون الواحد، على الرغم من إنه حكم أكثر من ستة عقود، فبمجرد انتهاء حكم البعثيين، استطاعت ألوان نوروز المتعددة التي تظهر جلية في الزي الذي ترتديه النسوة الكرديات، من إيصال الرسالة التي اصطدمت بجدران القمع المفروض من قبل واحدة من أعتى الدكتاتوريات في العالم.
وتكمن أهمية وصول كل هذه الرسائل في هذا التوقيت، بأن الكرد ومن دون أن يكون لهم أي سلطة أو نفوذ على عملية صنع القرار في دمشق، استطاعوا أن يخترقوا الحاجز التي صنعته البروباغندا القائمة على جعل الكردي متهماً بالانفصال والعمل على محاولة اقتطاع جزء من الأراضي السورية وضمها إلى دولة أجنبية، هذه التهمة التي كانت مطبوعة على الورقة المكتوبة أمام القضاة في محكمة أمن الدولة التي كانت تصدر القرارات بحق السياسيين والمناضلين الكرد، الذين قضوا سنين طويلة من حياتهم خلف القضبان وبين جدران السجون والمعتقلات في هذه البلاد.
نجحت ألوان النوروز في تعميم فكرة أن اللوحة السورية لا يكتمل جمالها إلا بمشاركة جميع السوريين في رسم مستقبل البلاد.
– الكردي ليس وحيداً
إذاً يمكن للكردي أن يقول وداعاُ لتلك المقولة التي كانت تقول: (لا أصدقاء للكرد سوى الجبال) فاليوم ومع إيقاد شعلة النوروز في السويداء ودمشق والساحل السوري والرقة، لم يعد الكردي وحيداً.
فعندما يسعى المرء إلى الحياة ويكون صادقاً مع ذاته، لا بد أن يصل إلى مبتغاه مهما طال الزمن.
نوروز هذا العام كان مختلفاً تماماً عن كل ما مضى، فقد أصبح عيداً لأغلب السوريين، وستكتمل اللوحة عندما يصدر الحكام الجدد في قصر الشعب بالعاصمة السورية دمشق، قراراً يقضي بجعل النوروز يوماً وطنياً تحتفل به سوريا بشكل رسمي وبالتالي يكون قصر الشعب للشعب بكل معنى الكلمة.
النوروز ليس مجرد عيد، هو بمثابة الهوية لشعب كامل، فإن لم يكن لدى السلطات الجديدة الجرأة للاعتراف بهذا العيد بعد كل هذه العقود وكل هذه المواجهات، فإنها ستسير في نفس درب السلطات التي سبقتها في خنق هذا الوطن، الذي لم يعد لديه القوة لتحمّل المزيد من القمع والظلم.