تقارير

في الجزيرة السورية تكاليف مجالس العزاء تصل إلى 3 آلاف دولار

محمد محمود بشار

سوريا – القامشلي

بعيدا عن نيران فوهات البنادق وشظايا قذائف المدافع، يحصد الموت حياة السوريين اللذين ابتلوا بحرب دخلت عقدها الثاني، فأنجبت هذه الحرب أزمات كثيرة ومتعددة، حيث تجتاح الأمراض و الأوبئة بمختلف تسمياتها وتأثيراتها هذه البلاد التي مازالت جاثية تحت ركام الحرب.

تكاليف الموت في سوريا تفوق بكثير تكاليف الحياة.

في منطقة الجزيرة السورية والتي تقع في شمال شرق البلاد وأغلب مناطقها حدودية بجوار تركيا و العراق، تصل تكاليف دفن الميت و إقامة مجلس العزاء إلى مايقارب الثلاثة آلاف دولار.

      مجالس عزاء بتكلفة يومية تصل إلى 1500 دولار

(إبراهيم علي) مواطن سوري من مدينة الدرباسية التي تبعد 80 كيلومترا شمال مدينة الحسكة وتقع على الحدود السورية-التركية، وهو في العقد الرابع من العمر كان يعمل مدرساً في الماضي ونتيجة لظروف الحرب هو يعمل حاليا في مهنة النجارة، يقول عن تكاليف إقامة مجالس العزاء بأنها (تكسر الظهر) وتضيف إلى الألم الماً آخر.

 ويضيف بعد وفاة قريبته (هدلة بكر) التي كانت تبلغ من العمر أكثر من 80 عاما وذلك في أواسط نيسان المنصرم قامت العائلة بإقامة مجلس للعزاء استمر لمدة يومين وبلغت التكلفة الاجمالية لمراسيم الدفن و العزاء حوالي 3 آلاف دولار، حيث قامت عائلة المتوفية بدفع جميع التكاليف.

و يقول: التكلفة المادية ومصاريف مجالس العزاء باهظة جدا ولكن نحن مضطرون إلى إقامتها وذلك بحكم العادات و التقاليد في المنطقة.

بعيدا عن المنطقة الحدودية بحوالي 35 كيلومترا، وفي أواسط شهر شباط المنصرم في إحدى قرى (تل تمر) تم إقامة مجلس عزاء للراحل (ش. ف. ع) وهو ايضاً كان في العقد السادس من عمره وتوفي نتيجة نوبة قلبية.

يقول لنا أحد أشقاء الراحل بأنهم كعائلة لديهم صندوق مالي مشترك يلجؤون إليه في حالات الوفاة.

هذه العائلة هي من إحدى أكبر العائلات في منطقة الجزيرة من حيث عدد أفراد العائلة و توزعهم الجغرافي داخل سوريا وخارجها.

يسرد الشقيق الذي لم يرغب في ذكر اسمه، تفاصيل المصاريف التي تم إنفاقها أثناء إقامة مجلس العزاء:

“تم استئجار الخيم و شراء المستلزمات التي يتم استعمالها تحت خيمة العزاء من قهوة و مياه معدنية ومحارم بالاضافة إلى أجرة (القهوجي) أي الشخص الذي يقوم بتحضير القهوة العربية المرة وتوزيعها على الضيوف بحوالي 550 دولار.

كذلك تم تقديم وليمة غذاء في اليوم الثاني لكل الموجودين في مجلس العزاء بلغت تكلفة تلك الوليمة ألف و مائتان دولار أمريكي.

كما تم تقديم وجبة غذاء في اليوم الأول وتأمين وجبات الضيوف اللذين قدموا من أماكن بعيدة وباتوا ليلتهم في القرية بحوالي 500 دولار، بالإضافة إلى مصاريف أخرى صغيرة أي أن المصاريف بشكل عام بلغت حوالي 2500 دولار”. 

      ماذا يقول الدين الإسلامي وماهي مطالب الشيوخ و الأئمة وعلماء الدين

تتميز الجزيرة السورية بأن سكانها مزيج من قوميات و أديان مختلفة، إلا أن الغالبية العظمى من أهالي الجزيرة يعتنقون دين الإسلام ويتعايشون بشكل سلمي مع باقي الأديان حيث يوجد في المنطقة عدد كبير من أبناء الشعب السرياني الآشوري والأرمن اللذين يعتنقون الدين المسيحي كذلك هناك معتنقي الديانة الايزيدية.

الشيخ علي رسول وهو رئيس (مجلس القامشلي الديني) الذي يُعتبر من إحدى مؤسسات الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا،، ويقيم في مدينة القامشلي يقول:إن مؤسسة (مؤتمر الإسلام الديمقراطي) توجهت بنداء إلى أهالي المنطقة بشكل عام بأن يقيموا مجالس العزاء داخل المساجد و الجوامع، كي لا يضطروا إلى دفع تكاليف باهظة وهم في الأساس قد فقدوا أحد أحبتهم، حيث تكون عائلة المتوفي في حالة حزن شديد ولكن نتيجة للتكاليف الباهظة الناتجة عن مجالس العزاء التي تفرضها العادات و التقاليد، تصبح مصيبتهم مضاعفة، فهم يخسرون فرداً من عائلتهم و يخسرون في نفس الوقت مبلغاً مالياً كبيراً بسبب هذه العادات المتوارثة عبر الأجيال.

يستشهد الشيخ علي رسول بآيات من القرآن الكريم ويشير إلى أن “الله عز وجل يشير في العديد من الآيات القرآنية إلى أنه لا يحب الإسراف و المسرفين”، و يقول: أن ما يحصل تحت خيم العزاء من تقديم الولائم الضخمة هو إسراف واضح و يجب الابتعاد عنه، كما و يناشد أهالي المنطقة بأن يقدموا المساعدة لأهالي الشخص المتوفى كي لا تثقل المصاريف كاهلهم.

 فهم بالأساس قد فقدوا عزيزاً على قلوبهم ويضيف: (لو تم إنفاق هذا المبلغ الذي يصل إلى ثلاثة آلاف دولار أو أكثر أحياناً في مجالس العزاء على المريض الذي ينازع الموت، لربما تحسن وضعه الصحي والأعمار بيد الله).

      رهبة العادات و التقاليد ودعوات للتأقلم مع الوضع المادي الذي فرضته الحرب

مازالت العشائر سواء العربية أو الكردية أو السريانية موجودة بقوة في المشهد الاجتماعي في منطقة الجزيرة السورية، و أغلب العادات و التقاليد مرتبطة بالموروث العشائري الذي مازال سائداً في المنطقة.

يشير الباحث الاجتماعي أحمد برو المقيم في مدينة القامشلي السورية إلى أن الفرد في هذه المجتمعات يحرص على العادات والتقاليد وما يرافقها من معايير وسلوكيات باعتبارها إحدى أهم معايير الانتماء للجماعة التي يعيش فيها، وهي نتاج تراكم ممارسات وتقاليد تم صقلها عبر الزمن لتوجيه الجماعة والفردفي كل موقف وحدث، وهي تأتي أيضاً لتلبية احتياجات الجماعة وهي دليل على عمق الارتباط بها، الأمر الذي يجعل الخروج عنها صعباً وقد يعرض الخارج عنها لأنواع من العقاب المجتمعي التي قد تتمثل في الاستنكار شفهياً أو المقاطعة الاجتماعية والتشهير.

كما ويوضح أحمد برو بأن التكاليف المادية الكبيرة أصبحت تثقل كاهل عائلة المتوفي بحيث أصبحت شكلاً من أشكال الضغط المادي في ظل هذه الحرب التي دخلت عقدها الثاني و وجود نحو90 % من السوريين تحت خط الفقر، الأمر الذي يجبر الكثير من العائلات السورية للجوء إلى استدانة مبالغ مادية من أشخاص أخرين كي يتمكنوا من إتمام مراسم العزاء بشكل لا يجعلهم في موضع سخط أو انتقاد اجتماعي من خلال اتهامهم بانهم تجاوزوا العرف العام وأبدوا تقصيراً ولم يقوموا بتقدير الضيوف و المعزين.

كما ويقول: لابد من تغيير الكثير من العادات الحالية و استبدالها بأخرى تكون قادرة على الاستجابة للظروف الاجتماعية والاقتصادية السائدة في البلاد بشكل عام/ وكذلك لتتوافق هذه الخطوات الجديدة مع الحالة المادية و النفسية لأهالي المنطقة وسوريا بشكل عام.

في هذه البلاد التي مزقتها الحرب، باتت الحياة أصعب من الموت بكثير، فلسان حال الأحياء من أبناء الشعب السوري يقول عند وفاة أي شخص (رحل وارتاح، اما نحن باقون في هذه الدوامة)، فمصاريف المواطن السوري بشكل وسطي وذلك استنادا إلى دخل الفرد، لا يتخطى الدولار الواحد أو دولارين، بينما مصاريف الميت في يومين تبلغ ثلاثة آلاف دولار أو أكثر أحياناً.

زر الذهاب إلى الأعلى